السيد محمد باقر الصدر

76

محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )

الإدراك البشري ، وهي المعبّر عنه ب ( المحسوس بالذات ) في مقابل ( المحسوس بالعرض ) ، والأخير هو عالم الخارج نفسه « 1 » . وإلى جانب هذا التصوّر هناك تصديقان : التصديق الأوّل عبارة عن أصل وجود عالم خارجي وراء هذا التصوّر ، خلافاً للاتّجاهات المثاليّة والسوفسطائيّين الذين ينكرون وجود واقع خارجي . ونحن نصادق على كون هذا التصديق من مبادئ العقل الأوّل « 2 » . والتصديق الثاني عبارة عن مطابقة الصورة المحسوسة بالذات للواقع الخارجي المحسوس بالعرض . وبعبارة أخرى : إعطاء المحسوس بالعرض تمام الصفات والخصوصيّات الثابتة لما هو محسوس بالذات « 3 » . والحقيقة أنّ تصديق الإنسان بمطابقة ما يحسّ به للواقع الخارجي ليس مستفاداً من العقل الأوّل ولا من غيره من العقول ، وإنّما هو ناجمٌ عن مجرّد توهّم ينشأ وينمو مع الإنسان منذ طفولته هو الذي يقف وراء ذلك ، ولا يمكن السيطرة عليه إلّاللصدّيقين . وهذا التوهّم منشؤه عدم تمييز الإنسان بين المحسوس بالذات وبين المحسوس بالعرض ، نتيجة ضعف الفكر وعدم دقّة النظر وقلّة ممارسته للبراهين الفلسفيّة . إذن : عندما يحكم الإنسان بأنّ الواقع الخارجي أبيض نتيجة بياض

--> ( 1 ) قد يُقصد بهذين الاصطلاحين شيءٌ آخر لدى بعض الفلاسفة القدامى ، والمعنى الشائع هو ما ذكره قدس سره هنا ، فراجع : شرح المنظومة 5 : 229 ، الهامش ( 29 ) ( 2 ) لكنّ الشهيد الصدر قدس سره انتهى لاحقاً إلى أنّ معرفتنا بالواقع الموضوعي للعالم استقرائيّة ، فراجع : الأسس المنطقيّة للاستقراء : 527 ( 3 ) راجع : المصدر السابق : 530 ، الاعتقاد بالتشابه بين المحسوس والواقع